سيد محمد طنطاوي
229
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أم في الأعمال ، فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغي أن يكون فقد حصل الصلاح ، فكان الصلاح دالا على أكمل الدرجات « 1 » . ثم بين - سبحانه - أنه لن يضيع شيئا مما قدموه من أعمال صالحة ، بل سيكافئهم على ذلك بما هو أفضل وأبقى فقال : * ( وما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوه ) * أي أن هؤلاء الذين وصفهم بتلك الصفات الطيبة لن يضيع اللَّه شيئا مما قدموه من عمل صالح ، وإنما سيجازيهم بما هم أهله من ثواب جزيل ، وأجر كبير بدون أي نقصان أو حرمان . و * ( ما ) * في قوله : * ( وما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ ) * شرطية . وفعل الشرط قوله : * ( يَفْعَلُوا ) * وجوابه قوله : * ( فَلَنْ يُكْفَرُوه ) * . و * ( مِنْ ) * في قوله : * ( مِنْ خَيْرٍ ) * لتأكيد العموم أي ما يفعلوا من أي خير سواء أكان قليلا أم كثيرا فلن يحرموا ثوابه . وأصل الكفر : الستر والتغطية . وقد صح تعدية الفعل كفر إلى مفعولين لأنه هنا بمعنى حرم . ولذا قال صاحب الكشاف : فإن قلت لم عدى إلى مفعولين ، وشكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد تقول : شكر النعمة وكفرها ؟ قلت : ضمن معنى الحرمان فكأنه قيل : فلن يحرموه بمعنى : فلن يحرموا جزاءه » « 2 » . وقوله : * ( واللَّه عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ) * تذييل مقرر لمضمون ما قبله . أي هو - سبحانه - عليم بأحوال عباده وسيجازى المتقين بما يستحقون من ثواب ، وسيجازى الكافرين بما يستحقون من عقاب . فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد أنصفت المؤمنين الصادقين من أهل الكتاب ، ووصفتهم بجملة من الصفات الطيبة . وصفتهم بأنهم طائفة ثابتة على الحق . وأنهم يتلون آيات آناء الليل وأطراف النهار ، وأنهم مكثرون من التضرع إلى اللَّه في صلواتهم وسجودهم ، وأنهم يؤمنون باللَّه واليوم الآخر وأنهم يأمرون بالمعروف ، وأنهم ينهون عن المنكر ، وأنهم يسارعون في الخيرات ، وأنهم من الصالحين . ثم بشرهم - سبحانه - بعد وصفهم بهذه الصفات الكريمة بأن ما يقدموه من خير فلن يحرموا ثوابه ، لأنه - سبحانه - عليم بأحوال عباده ولن يضيع أجر من أحسن عملا .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 203 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 403 .